العيني
86
عمدة القاري
أي : هذا باب في قول الله عز وجل : * ( عالم الغيب ) * الخ ذكر هنا خمس قطع من خمس آيات : الأولى : قوله : * ( عَالِمُ الْغَيْبِ فَلاَ يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَداً ) * يعني الله عالم الغيب فلا يظهر على غيبه أحداً ، إلاَّ من ارتضى من رسول اختاره فيما يقوله ، والرسول إما جميع الرسل أو جبريل ، عليه السلام ، لأنه المبلغ لهم واختلف في المراد بالغيب فقيل : هو على عمومه ، وقيل : ما يتعلق بالوحي خاصة ، وقيل : ما يتعلق بعلم الساعة ، وهو ضعيف ، لأن علم الساعة مما استأثر الله بعلمه ، إلاَّ أن ذهب قائل ذلك بأن الاستثناء منقطع وفي الآية رد على المنجمين وعلى كل من يدعي أنه يطلع على ما سيكون من حياة أو موت أو غير ذلك ، لأنه مكذب للقرآن . الآية الثانية : قوله تعالى : * ( إِنَّ اللَّهَ عِندَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِى الاَْرْحَامِ وَمَا تَدْرِى نَفْسٌ مَّاذَا تَكْسِبُ غَداً وَمَا تَدْرِى نَفْسٌ بِأَىِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلَيمٌ خَبِيرٌ ) * روي عن مجاهد أن رجلاً يقال له : الوارث بن عمرو بن حارثة ، من أهل البادية أتى النبي ، فسأله عن الساعة ووقتها ، وقال إن أرضنا أجدبت ، فمتى ينزل الغيث ؟ وتركت امرأتي حبلى فمتى تلد ؟ وقد علمت أين ولدت فبأي أرض أموت ؟ وقد علمت ما عملت اليوم فماذا أعمل غداً ؟ . . . فأنزل الله تعالى هذه الآية . الآية الثالثة : في الحجج القاطعة في إثبات العلم لله تعالى ، وحرفه صاحب الاعتزال نصرة لمذهبه ، فقال : أنزله ملتبساً بعلمه الخاص وهو تأليفه على نظم وأسلوب يعجز عنه كل بليغ ، ورد عليه بأن نظم العبارات ليس هو نفس العلم القديم بل دال عليه . الآية الرابعة : كالآية الأولى في إثبات العلم . والآية الخامسة : فمعناها لا يعلم متى وقت قيامها غيره ، فالتقدير إليه يرد علم وقت الساعة . قال يَحْياى : الظاهِرُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ عِلْماً ، والباطِنُ عَلى كلِّ شَيْءٍ عِلْماً . يحيى هذا هو ابن زياد الفراء النحوي المشهور ، ذكر ذلك في كتاب معاني القرآن له ، وقال الكرماني : يحيى ، قيل : هو ابن زياد بن عبد الله بن منظور الذهلي ، وهو الذي نقل عنه البخاري في كتاب معاني القرآن قلت : هو الفراء بعينه ولكن قوله : الذهلي ، غلط لأن الفراء ديلمي كوفي مولى بني أسد ، وقيل : مولى بني منقر . والظاهر أن هذا من الناسخ ، ومات الفراء في سنة سبع ومائتين في طريق مكة وعمره ثلاث وستون سنة ، وإنما قيل له : الفراء ولم يكن يعمل الفراء ولا يبيعها ، لأنه كان يفري الكلام . ومنظور ، بالظاء المعجمة . قوله : الباطن على كل شيء ويروى : الباطن بكل شيء ، يعني : العالم بظواهر الأشياء وبواطنها . وقيل : الظاهر أي : دلائله ، الباطن بذاته عن الحواس ، أي : الظاهر عند العقل الباطن عند الحس وهو تفسير لقوله تعالى : * ( هُوَ الاَْوَّلُ وَالاَْخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمٌ ) * 7379 حدّثنا خالِدُ بنُ مَخْلَدٍ ، حدّثنا سُلَيْمانُ بن بِلالٍ ، حدّثني عَبْدُ الله بنُ دِينارٍ ، عنِ ابنِ عُمَرَ رضي الله عنهما ، عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم قال : مَفَاتِيحُ الغَيْبِ خَمْسٌ لا يَعْلَمُها إلاّ الله : لا يَعْلَمُ ما تَغيضُ الأرْحامُ إلاّ الله ، ولا يَعْلَمُ ما في غَد إلاّ الله ، ولا يَعْلَمُ مَتَى يَأْتِي المَطَرُ أحَدٌ إلاّ الله ، ولا تدْري نَفْسٌ بِأيِّ أرْضٍ تَمُوتُ إلا الله ، ولا يَعْلَمُ مَتَى تَقُومُ السَّاعةُ إلاّ الله . ا مطابقته للترجمة ظاهرة . والحديث مضى في آخر الاستسقاء فإنه أخرجه هناك عن محمد بن يوسف عن سفيان عن عبد الله بن دينار ، ومضى الكلام فيه . قوله : مفاتيح الغيب استعارة إما مكنية وإما مصرحة ، ولما كان جميع ما في الوجود محصوراً في علمه شبهه الشارع بالمخازن واستعار لبابها المفتاح ، والحكمة في كونها خمساً الإشارة إلى حصر العوالم فيها ، ففي قوله : ما تغيض الأرحام إشارة إلى ما يزيد في النفس وينقص ، وخص الرحم بالذكر لكون الأكثر يعرفونها بالعادة ومع ذلك ينفي أن يعرف أحد حقيقتها . وفي قوله : ولا يعلم متى يأتي المطر إشارة إلى العالم العلوي ، وخص المطر مع أن له أسباباً قد تدل بجري العادة على وقوعه لكنه من غير تحقيق ، وفي قوله : ولا تدري نفس بأي أرض تموت إشارة إلى أمور العالم السفلي مع أن عادة أكثر الناس أن يموت ببلده ، ولكن ليس ذلك حقيقة ، بل لو مات في بلده لا يعلم في أي بقعة يدفن فيها ولو كان هناك مقبرة لأسلافه بل قبر أعده هو له . وفي قوله : ولا يعلم ما في غد إلاَّ الله إشارة إلى أنواع الزمان وما فيها من الحوادث ، وعبر بلفظ : غد ، لكون حقيقته أقرب الأزمنة ، وإذا كان مع قربه لا يعلم حقيقة ما يقع فيه ، وفي قوله : ولا يعلم متى تقوم الساعة